بن عيسى باطاهر
69
المقابلة في القرآن الكريم
أولا : إن اللّه هو وليّ المؤمنين ، وإن الموالاة يجب أن تكون للمؤمنين وحدهم ، فهم الذين علموا حقيقة التوحيد ، وعملوا بمقتضياتها التي تعني البراءة التامة من الشرك وإخلاص التوحيد والعبادة للّه وحده . ثانيا : إن اللّه بريء من المشركين ، وهذه البراءة التي تقابل الموالاة مبنية على أساس أنّ الشرك لا يجتمع مع الإيمان ، لأنه قائم على دعائم واهية بعيدة كل البعد عن معنى التوحيد الخالص الذي جاءت به الرسل ، والذي جاء تفصيله في آي القرآن العظيم . وقال تعالى : ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [ التوبة : 17 - 18 ] . في هذه الآيات تعبير قائم على التقابل من الوحدانية والشرك في إحدى صورها ، وقد اختار التعبير النماذج البشرية المتقابلة للدلالة على خصائصهما ، لأن طبيعة التوحيد متجسدة في أتباعه الذين يؤمنون باللّه واليوم الآخر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة . ويعمرون المساجد ، وطبيعة الشرك متجسدة أيضا في أتباعه الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر ، ويستحقون على ذلك المنع من دخول مساجد اللّه . فمن خلال هذه الآيات يتبيّن أن طبيعة الوحدانية تناقض طبيعة الشرك ، ولذلك حدد القرآن أسلوبا في التعامل مع الشرك وأتباعه ، فكان منع المشركين من دخول المساجد ، وهو هنا مرتبط بما تضمنته البراءة في قوله تعالى : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 1 ] ، والتعامل مع المشركين جاء معلّلا بكفرهم وشركهم بوحدانية اللّه ، والمتّصف بهذه الصفة محروم من دخول المساجد وعمارتها ، لأن مساجد اللّه هي حق للّه وحده ، ثم أقيمت لعبادة اللّه لا لغيره ، والكعبة هي بيت اللّه الحرام القائم على التوحيد منذ أول يوم بني